قصة قصيرة (الشرفة المغلقة)
قصة قصيرة (الشرفة المغلقة)
في بلدة صغيرة تحيط بها تلال صامتة وأزقة متشابكة، عاش شاعر يُعرف بين أهله بكلماته التي تضيء الليل والنهار. كل من يقرأ له يشعر أن الأرض نفسها ترتوي من شعره، وأن قلبه ينسكب في كل حرف. لكن الشاعر كان يعيش سرًا، شيئًا لا يعرفه إلا هو: نوافذه كانت دومًا موصدة، حتى عن أعز أصدقائه.
رفيق، صديقه القديم منذ أيام الشباب، يزور البلدة من حين لآخر. كان يجلس دائمًا عند حافة الشرفة، ينظر إلى الشاعر وكلماته تتسرب في الهواء، لكنه لم يجرؤ يومًا على اختراق الصمت خلف الباب المغلق. فكان يرى فقط نصف الحقيقة، كمن يقرأ كتابًا مفتوحًا على صفحة واحدة.
ذات مساء، بينما كانت ألوان الغروب تذوب في السماء، هتف رفيق:
"يا صاحبي الشاعر، لا تكن شاعر جدارٍ مغلق!"
لم يجب الشاعر. كان واقفًا هناك، بين عالمه وعالم الآخرين، ربما يستمع لصدى كلماته، وربما يختبئ من عبث الحياة.
في الداخل، كان الشاعر يكتب ويعيد الكتابة، يغرق في أفكاره الفلسفية: هل للكلمة معنى إن لم تُسمع؟ هل للجمال قيمة إن لم يُشارك الآخرون دهشته؟ كانت نوافذه الموصدة ليست مجرد خوف من النقد، بل محاولة لفهم نفسه، لفك رموز العالم من حوله، لفحص عبثية الحياة والبحث عن معنى وسط الصمت واللاوعي.
عاد رفيق في اليوم التالي، وترك رسالة تحت الباب:
"ما جدوى القصيدة إن لم تُشعل حوارًا؟ وما نفع الكلمة إن لم تتّسع للنقد أو للاختلاف؟ نحن لا ننتقد لنُهدم، بل لنُضيء لك مرآة ترى فيها وجهك الأجمل. كن كما عهدناك: صادقًا، جريئًا، وشاعر قلبٍ مفتوح."
مرت الأيام، وبدأ الشاعر يفتح نافذة صغيرة. لم يكن مجرد اعتراف بالآخر، بل خطوة نحو التوازن بين العزلة والتواصل، بين عبثية الحياة والبحث عن معنى، بين الوجود الفردي أصبح الآن الشاعر جديدًا: يكتب عن السماء وهو ثابت على الأرض، يسمع النقد ويقبله، ويترك كلماته تتسرب إلى القلوب المفتوحة. وتعلم رفيق أن نوافذ الشرفة ليست مجرد حدود للآخرين، بل جدران دفاعية تقيمها النفس لتفهم نفسها قبل أن تُفهم، وأن الحوار ليس فقط مع الآخرين، بل مع ذاتنا أيضًا. وهكذا، ظل الشعر حيًا، ينبض بالحياة، ليس بالإعجابات وحدها، بل بالاستماع، بالاختلاف، وبجرأة قلبٍ مفتوح.
عدنان الطائي
تعليقات
إرسال تعليق