نص نثري (رسالة إلى نفسي) على ضوء عبثية الحياة وإرادة المعنى

 

 نص نثري (رسالة إلى نفسي)
على ضوء عبثية الحياة وإرادة المعنى

عدنان الطائي

يا أنا

أكتب إليكِ من قلب العبث،
من ذلك التوتر الصامت بين رغبتنا العميقة في الفهم
وصمت الكون البارد.

علّمني كامو أن العبث ليس في العالم وحده،
ولا في الإنسان وحده،
بل في المسافة بين السؤال واللا جواب.
نحن نطلب المعنى،
والكون لا يجيب.
نصرخ: لماذا؟
فيأتينا الصدى… ولا شيء غير الصدى.

يا أنا الحاضرة

كم مرةٍ شعرتِ أن تعبكِ بلا غاية؟
أن أيامكِ تتكرر كصخرة سيزيف،
ترفعينها كل صباح
وتتدحرج كل مساء؟

لكن كامو لم يرَ في سيزيف مأساةً فقط،
بل بطولة.
قال إن علينا أن نتخيل سيزيف سعيدًا.
سعيدًا؟
نعم
لأنه أدرك عبث مهمته،
ومع ذلك اختار أن يدفع الصخرة.

يا أنا القادمة من الغد

إن وجدتِ معنىً،
فلا تبحثي عنه في وعدٍ سماويٍ مؤجل،
ولا في نظامٍ كونيٍ منسجم،
بل في موقفكِ أنتِ من هذا الصمت.

المعنى لا يُعطى
المعنى يُصنع.

أنا الآن أفهم:
لسنا مطالبين بحلّ لغز الوجود،
بل بمواجهته بكرامة.

التمرد عند كامو ليس صراخًا ضد الإله،
ولا ثورةً ضد القدر،
بل هو أن أقول للحياة:
"
أعرف أنكِ بلا ضمانات
ومع ذلك سأحبكِ."

يا أنا

لا تنتظري عدالةً كاملة،
ولا انسجامًا تامًا،
ولا تفسيرًا يريح العقل إلى الأبد.

كوني صادقة مع عبثكِ.
احتضني تناقضكِ.
امشي في هذا العالم وكأنكِ تعلمين أنه لا يمنح اليقين،
ومع ذلك تختارين المشاركة.

أنا الحاضر أتعلم شيئًا بسيطًا وعميقًا:
أن السعادة ليست في فهم العالم،
بل في قبول عدم فهمه دون استسلام.

وأن الشجاعة ليست في الهروب من العبث،
بل في العيش داخله
بابتسامةٍ واعية.

يا مستقبلي

إذا شعرتِ يومًا بثقل الصخرة،
فلا تسألي: لماذا أنا؟
بل اسألي: كيف أرفعها اليوم بوعيٍ أكبر؟

ذلك هو المعنى الذي يمكنني أن أعدكِ به:
أن أعيش بلا وهم،
لكن بلا يأس.

أن أرى فراغ السماء،
وأختار رغم ذلك أن أزرع وردة.

هذه رسالتي إليكِ:
لسنا هنا لننتصر على العبث،
بل لنحوله إلى فعلٍ إنساني.

وإن كان العالم بلا إجابة،
فليكن ردّي عليه
حياةً تُعاش بكامل الوعي.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

الإبراهيمية: بين دعوة التعايش ومشروع التطبيع