الانتحار الهادئ للغرب: لا أعداء… لا مؤامرات… فقط خواء

 


الانتحار الهادئ للغرب: لا أعداء… لا مؤامرات… فقط خواء

بقلم عدنان الطائي

هزيمة الغرب… حين تسقط الإمبراطورية أخلاقيًا قبل أن تسقط عسكريًا

  ليس الغرب في طريقه إلى الهزيمة، الغرب مهزوم بالفعل… لكنه لم يعترف بعد. هذا ما يحاول إيمانويل تود قوله، لا بصفته عرّافًا، بل بصفته مؤرخًا ديموغرافيًا يعرف أن الحضارات لا تموت بالقنابل، بل بانطفاء المعنى الذي يبرر وجودها.

اقتصاد ضخم… بلا روح إنتاجية

   يتباهى الغرب بأرقام الناتج المحلي، لكنه يخفي الحقيقة البسيطة: اقتصاد بلا مصانع حقيقية، بلا زراعة كافية، بلا اكتفاء، اقتصاد محامين ومضاربات وأسواق مالية،
لا اقتصاد شعوب تُنتج ما تأكل وتدافع عمّا تصنع. لقد تحوّل الغرب من مجتمع إنتاج إلى مجتمع استهلاك مؤجَّل الانهيار، يعيش على الدَّين، ويصدّر أزماته للعالم تحت مسميات “العولمة” و”حرية السوق”.

حين مات الدين… لم تولد الأخلاق

  يرى تود أن البروتستانتية لم تكن مجرد عقيدة، بل ماكينة أخلاقية صنعت الانضباط والعمل والمعنى. وحين مات الدين في الغرب، لم يُستبدل بقيم إنسانية راسخة، بل بـ عدمية ملوّنة:

  • حرية بلا مسؤولية
  • حقوق بلا واجبات
  • فرد بلا مجتمع

لم يعد السؤال: ما هو الصواب؟ بل: ما الذي لا يزعج السوق؟ 

القوة العسكرية: عضلات بلا إرادة

  الغرب يمتلك أحدث الأسلحة، لكنه يفتقد ما هو أخطر: الاستعداد النفسي للخسارة.
حرب أوكرانيا لم تكشف تفوق روسيا فقط في الإنتاج العسكري، بل كشفت هشاشة المجتمعات الغربية أمام حرب طويلة، مكلفة، بلا نهاية نظيفة. لم يعد الجندي الغربي مستعدًا للموت، ولا المواطن مستعدًا لدفع ثمن القيم التي يتغنّى بها.

ديموغرافيا تتآكل وهوية تتشقق

  شيخوخة، تفكك أسري، هجرة بلا مشروع اندماج. ليس الخطر في المهاجر، بل في مجتمع لا يعرف ماذا يريد أن يكون. الغرب لم يفشل لأنه استقبل الآخر، بل لأنه فقد تعريف نفسه.

الليبرالية… من وعد بالتحرر إلى أداة ضبط

الليبرالية التي وُلدت لتحرير الإنسان، تحوّلت إلى:

  • رقابة ناعمة
  • أخلاق مفروضة باسم “التقدم
  • إقصاء باسم “القيم

وحين تفشل الليبرالية في تحقيق العدالة، يظهر التطرف، لا بوصفه انحرافًا، بل كردّ فعل طبيعي على خواء المركز. هل انتصرت روسيا أو الصين؟ لا. لكن الغرب خسر احتكار السردية. لم يعد قادرًا على إقناع العالم أنه النموذج الأخلاقي الأوحد. وهذه هي الهزيمة الحقيقية.

الخلاصة الصادمة

الغرب لم يُهزم لأنه ضعيف، الغرب انتحر حضاريًا، بل لأنه لم يعد يعرف لماذا يجب أن ينتصر. وما لم يُجب عن هذا السؤال، فلن تسقط إمبراطوريته فجأة بل ستذوب ببطء، كما يذوب الجليد الذي يرفض الاعتراف بأن الشمس تغيّرت.

لنكن قساة مع الحقيقة كما هي قاسية معنا: الغرب لم يخسر حربًا، ولم تُهزم جيوشه في ميدان الغرب خسر نفسه. حين تتحوّل الحضارة إلى مشروع أرباح وحين يصبح الإنسان رقمًا في السوق وحين تُختزل الأخلاق في شعارات علاقات عامة، فإن السقوط يصبح مسألة وقت لا أكثر. اقتصاد بلا أرض… بلا عرق… بلا كرامة.. الغرب لا ينتج، بل يُدير. لا يزرع، بل يضارب. لا يصنع، بل يقاضي. اقتصاده يقوم على:

  • البنوك،
  • المحامين،
  • الفقاعات،
  • الديون المؤجَّلة على حساب أجيال لم تولد بعد.

هذه ليست قوة، هذا هروب جماعي من الواقع. موت المعنى: أخطر من موت الدين، حين مات الدين في الغرب، لم تتحرر الأخلاق، بل فقدت مرجعيتها. فكانت النتيجة:

  • حرية تتحوّل إلى فوضى
  • فردانية تتحوّل إلى عزلة
  • حقوق بلا واجبات
  • إنسان بلا جذور ولا مستقبل

الغرب اليوم لا يعرف لماذا يعيش، ولا لماذا يجب أن يدافع عن نفسه.

السلاح بلا روح… أقرب إلى الخردة

ما قيمة أحدث دبابة إذا كان المجتمع الذي صنعها لا يحتمل رؤية نعش واحد؟ فحرب أوكرانيا كشفت الحقيقة العارية: الغرب لا يخوض حروب وجود، بل حروب إدارة أزمات إعلامية. وحين تطول الحرب، ينهار الصبر، ينهار الرأي العام، ينهار الوهم. كما ان الهجرة ليست المشكلة… الغرب هو المشكلة.. الغرب لم يفشل لأنه استقبل الآخر، بل لأنه فقد تعريفه لذاته. كيف تدمج مهاجرًا في مجتمع لا يعرف من هو، ولا إلى أين يذهب؟ فالديموغرافيا لا تقتل الحضارات، الفراغ الهويّاتي يفعل. والليبرالية: من وعد بالخلاص إلى نظام ضبط، الليبرالية اليوم:

  • تقمع باسم التسامح
  • تلغي باسم الحرية
  • تراقب باسم القيم

وحين تتحوّل القيم إلى سوط، يولد التطرف لا محالة.

الخلاصة التي لا يريد الغرب سماعها

  الغرب لم يعد نموذجًا. لم يعد قدوة. لم يعد مركزًا أخلاقيًا للعالم. وما لم يعترف بذلك، فلن يسقط فجأة بل سيتحلل ببطء، كما تتحلل الجثث الكبيرة: صامتة… متعفنة… ومكلفة للجميع.

 

 

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

الإبراهيمية: بين دعوة التعايش ومشروع التطبيع