رمضان… حين تتطهّر الروح ويصحو الضمير

 

رمضان… حين تتطهّر الروح ويصحو الضمير

بقلم: عدنان الطائي

    ليس رمضان شهرًا يمرّ في التقويم، بل حالةٌ تعبر في الإنسان. ليس زمناً يُعدّ بالأيام، بل زمنٌ يُقاس بما يوقظه فينا من نور. منذ أن تشكّلت الثقافة العربية على ضوء النص القرآني، لم يكن الصيام مجرد فريضةٍ تؤدّى، بل تجربة وجودية يعاد فيها تشكيل الداخل. أمةٌ كانت تعتمد الذاكرة والشفاه، فإذا بها تُؤسس ثقافة كاملة على كتابٍ نزل ليهدي العقل كما يهدي القلب، وليبني الإنسان من الداخل قبل أن يبني الحضارة من الخارج. وفي هذا السياق، يأتي رمضان لا ليجعلنا نجوع، بل ليعلّمنا كيف نفهم الجوع.

الجوع الذي يوقظ المعنى

   الجوع في رمضان ليس نقصًا في الجسد، بل زيادةً في الوعي. هو صمتُ المعدة كي يتكلم الضمير، وهدوءُ الشهوة كي يسمع القلب نداءه الخافت. لقد عرفت الأمم الصيام قبل الإسلام، مارسته الحضارات القديمة بأشكال مختلفة، كأن الإنسان — في كل زمان — كان يشعر بحاجةٍ إلى لحظة يتخفف فيها من ثقل المادة. لكن الصيام في الإسلام ارتبط بكلمة واحدة تختصر المسافة كلها: التقوى. التقوى ليست خوفًا مجردًا، بل يقظة دائمة.
أن تمتنع وأنت قادر، أن تكبح وأنت راغب، أن تختار الله على نفسك في كل لحظة خفية لا يراك فيها أحد.

رمضان… إعادة ترتيب الداخل

    في رمضان، لا نصوم عن الطعام فقط، بل نصوم عن القسوة، عن الغضب، عن الكلمة الجارحة. نصوم عن الغفلة. هو شهر تتبدل فيه الموازين:
يعلو صوت القرآن،
وتلين القلوب،
وتتسع الموائد،
وتقترب المسافات بين الغني والفقير.

حين يجوع الغني باختياره، يسمع في داخله صوت الجائع باضطراره. وهنا تولد الرحمة.
فالرحمة كثيرًا ما تنشأ من الألم، والصيام يمنحنا هذا الألم النبيل، ألمًا لا يكسر الجسد، بل يفتح الروح.

بين الجسد والروح… معجزة التوازن

    في هذا الشهر، يتعلم الجسد أن ليس كل رغبةٍ تُلبّى، وأن الإنسان أكبر من شهوته.
ويتعلم القلب أن العبودية ليست انكسارًا، بل تحررٌ من استبداد النفس. أحد عشر شهرًا قد نغرق في تفاصيل الحياة، تتراكم علينا غبار الأيام، فيأتي رمضان كنسمة تطهير، كأنه استراحة كونية يعيد فيها الإنسان ترتيب ذاته، ويصلح ما انكسر فيه بصمت. هو دورة سنوية لإعادة التكوين، ترميمٌ للأعصاب، وغسلٌ للروح ومراجعة للحساب قبل الحساب.

شهر السماء المفتوحة

   اختير رمضان ليكون شهر نزول القرآن، وكأن السماء فيه أقرب، والدعاء أصدق، والدمعة أصفى. يتنقل في الفصول لأنه ليس حكرًا على مناخٍ دون آخر، بل هو امتحانٌ دائم للنية، وعدالةٌ تتوزع على السنين. ليس المقصود أن نمضي ثلاثين يومًا بلا طعام، بل أن نخرج منها بقلوبٍ أقل قسوة، وأيدٍ أكثر عطاء، ونفوسٍ تعرف أن الحياة لا تستقيم حين يتخم بعضنا ويجوع بعضنا الآخر.

مدرسة الروح والفكر والضمير

   رمضان مدرسة، لكنها لا تمنح شهاداتٍ ورقية، بل تترك أثرها في السلوك. من خرج منه أكثر صبرًا، فقد تعلّم.ومن خرج منه أكثر رحمة، فقد فهم. ومن خرج منه بضميرٍ يقظ لا ينام بعد العيد، فقد أدرك السر. أما من اكتفى بالجوع والعطش، فقد مرّ بالشهر ولم يمرّ الشهر به. رمضان ليس زمنًا نمرّ به، بل زمنٌ يعبر بنا يرفعنا قليلًا فوق أنفسنا، ويذكّرنا أن الإنسان لا يكتمل إلا حين تنتصر روحه على شهوته،وحين يسمع في أعماقه نداء الخير… فيجيب.

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

الإبراهيمية: بين دعوة التعايش ومشروع التطبيع