لا تُنقذوا المسنّين بالأرقام… أنقذوهم بالتوازن

 

لا تُنقذوا المسنّين بالأرقام… أنقذوهم بالتوازن

خارطة طريق صحية في العمر المتقدم: كيف نعيش مع المرض دون أن نموت بسببه؟

عدنان الطائي
كاتب وباحث في الشأن الثقافي والفكري

في مجتمعات تُقدّس الأرقام الطبية أكثر مما تُنصت إلى الإنسان، يتحوّل المرض المزمن إلى حكمٍ قاسٍ بدل أن يكون حالة قابلة للإدارة. ومع التقدّم في العمر، يصبح من الضروري إعادة تعريف “الصحة” لا بوصفها غياب المرض، بل بوصفها القدرة على العيش بكرامة واستقرار. في هذه المرحلة من الحياة، لم يعد السؤال: كيف نُخضع الجسد للأرقام؟
بل: كيف نحمي الإنسان من أن يُستنزف باسم العلاج؟ الأمراض المزمنة، وعلى رأسها داء السكري، قد ترافق الإنسان لعقود طويلة. غير أن الخطأ الشائع يتمثّل في التعامل معها بالمنطق نفسه الذي يُطبَّق على الأجساد الشابة، متناسين أن الجسد مع الزمن يكتسب هشاشة، لكنه يكتسب أيضًا حقًّا في الرحمة والتوازن.

وهم “التحكم المثالي

  تشير الأدبيات الطبية الحديثة إلى أن السعي لخفض سكر الدم إلى مستويات منخفضة جدًا لدى كبار السن قد يكون أكثر خطورة من فائدته. فالهبوط المفاجئ في السكر قد يؤدي إلى:

  • فقدان الوعي
  • السقوط والكسور
  • اضطراب نظم القلب
  • مضاعفات عصبية صامتة

من هنا تتجه التوصيات الواقعية إلى اعتماد مفهوم الاستقرار الآمن بدل “المثالية الرقمية”.

القيم المقبولة طبيًا لكبار السن:

  • السكر الصائم: 110 – 150
  • بعد الطعام بساعتين: حتى 180 – 200
  • السكر التراكمي (HbA1c): 7.5% – 8.5%

هذه القيم لا تعبّر عن إهمال، بل عن حكمة علاجية تراعي عمر الجسد وتاريخه المرضي.

السكري والسرطان: علاقة بلا تهويل

يُشاع أن ارتفاع السكر “يغذّي السرطان”، وهي عبارة تختزل مسألة علمية معقّدة. العلاقة ليست مباشرة، بل ترتبط بعوامل مثل:

  • الالتهاب المزمن
  • ضعف المناعة
  • سوء التغذية
  • الاعتماد على الغذاء الصناعي

أما السكر المعتدل المستقر، المصحوب بتغذية طبيعية متوازنة، فلا يُعد عامل خطر مباشرًا لعودة المرض، بل قد يكون أكثر أمانًا من حميات قاسية تُضعف الجسد وتستنزف مناعته.

الغذاء: درع واقٍ لا سجن

بعد الإصابة بسرطان القولون، يتحوّل الغذاء إلى عنصر وقائي أساسي، لا بوصفه أداة حرمان، بل وسيلة تهدئة للجهاز الهضمي عبر:

  • الإكثار من الخضار المطبوخة سهلة الهضم
  • اختيار بروتينات خفيفة
  • تقليل اللحوم المصنعة والسكريات
  • الاعتماد على الدهون الصحية

الهدف ليس المنع المطلق، بل تقليل الاستفزاز المتكرر للجسد.

الصحة لا تُدار بالخوف

   في العمر المتقدم، لا ينبغي أن تتحول الصحة إلى هاجس يومي أو معركة دائمة.
الطب الرشيد لا يسأل فقط: كم الرقم؟ بل يسأل: كيف يعيش الإنسان يومه؟ يعيش بالتوازن، بالاستقرار، وبالعيش بمعنى، تتحسّن المناعة، ويتأخر التدهور، وتُصان الكرامة الإنسانية. إن حماية المسنّ لا تكون بتشديد القيود عليه، بل بمنحه مساحة آمنة ليعيش ما تبقى من عمره بوعي وطمأنينة. لسنا مطالبين بهزيمة المرض، ولا حتى هزيمة الموت،
لكننا أحرار في ألا نموت قبل أوانه.

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

الإبراهيمية: بين دعوة التعايش ومشروع التطبيع