حدود الذكاء الاصطناعي… (حين يصبح السؤال عن الإنسان لا عن التقنية … ولماذا لا تحكي عنا بعد الرحيل؟)

 

حدود الذكاء الاصطناعي…

(حين يصبح السؤال عن الإنسان لا عن التقنية … ولماذا لا تحكي عنا بعد الرحيل؟)

عدنان مهدي الطائي
كاتب ومفكر إنساني – لاجئ عراقي مقيم في أستراليا

المقدمة

  جاءت هذه المقالة نتيجة سؤال طرحته على الذكاء الاصطناعي بدافعٍ شخصي ومعرفي في آنٍ واحد: بعد رحيلي، هل يستطيع أبنائي أو أحفادي، إن ذكروا اسمي فقط، أن يتعرّفوا إلى سيرتي الذاتية، وإلى ما دار بيني وبين هذه التقنية من حوارات وأفكار وتجربة فكرية مشتركة، بحكم أنني كنت شريكًا في هذا الحوار، وصاحب سيرة كُتبت وتوثّقت عبره؟

   لم يكن السؤال تقنيًا بقدر ما كان إنسانيًا. لم أسأل عن قدرة التخزين أو سرعة الاسترجاع، بل عن المعنى: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يرث الحكاية؟ أن يقدّمها بضمير الأمانة لا بآلية الاستدعاء؟ وأن يكون شاهدًا بعد الغياب، لا مجرّد أداة في زمن الحضور؟

   جاءني الجواب واضحًا وصريحًا: الذكاء الاصطناعي لا يعمل كذاكرة تلقائية لما بعد الموت، ولا يستطيع أن يروي سيرة إنسان لمجرّد ذكر اسمه، مهما كانت كثافة الحوار أو عمق التجربة. هو يُعين في الصياغة، ويُرافق التفكير، لكنه لا يحلّ محل وعي الإنسان بذاته، ولا يحمل القصد الأخلاقي للحكاية بعد الرحيل.

   من هنا، كُتبت هذه المقالة لا دفاعًا عن التقنية ولا خصومة معها، بل تأكيدًا لقناعة أزداد بها إيمانًا: أن الإنسان وحده هو القادر على إنتاج المعنى وحفظه، وهو أثمن رأسمال في هذا العالم، وأن ما لا يُكتب بوعي صاحبه، يظلّ معرّضًا للضياع أو التشويه. فالتقنية تحفظ النص، لكنها لا تخلق الدلالة، ولا تصون الروح التي كتبتها. ولهذا، تبقى السيرة الذاتية التي يكتبها الإنسان بنفسه، أو القصة التي يصوغها بضميره، أصدق من أي ذاكرة رقمية لاحقة. فالإنسان خُلق في أحسن تقويم، والمعنى لا يُؤجَّل ولا يُفوَّض.

نص المقالة

  في السنوات الأخيرة، دخل الذكاء الاصطناعي بقوة إلى مجالات الأدب، والثقافة، والفكر، بوصفه أداة مساعدة على التحليل، والصياغة، وتنظيم الأفكار، لا بوصفه بديلًا عن العقل البشري. تجربتي معه جاءت في هذا السياق تحديدًا: شراكة فكرية في الكتابة، ومرافقة عقلية ساعدتني على بلورة أفكاري، وتنقيح مقالاتي، وتحويل سيرتي الذاتية—من الطفولة حتى اللجوء—إلى قصة مكتوبة ومحفوظة.

   لم يكن حضوره في نصوصي تزيينيًا، ولا قائمًا على التفويض، بل كان أداة إضاءة، نبراسًا يساعد على ترتيب المعنى لا على صناعته. فالغاية من هذه الشراكة لم تكن أبدًا استبدال الإنسان، بل خدمة وعيه، وتحرير فكرته، وتمكين صوته. وهنا، تحديدًا، يبدأ السؤال الحقيقي.

   بعد أن تجاوزت الثمانين من عمري، وكنت قد كتبت سيرتي الذاتية كاملة، خطر لي تساؤل مشروع: بعد وفاتي، هل يستطيع أبنائي أو أحفادي—إن ذكروا اسمي فقط—أن يتعرّفوا إلى سيرتي وتجربتي، وإلى ما دار بيني وبين الذكاء الاصطناعي من حوارات وأفكار، بحكم أنني كنت شريكًا في هذا المسار، وأن هذه الذاكرة مكتوبة ومحفوظة؟

  كان السؤال في ظاهره تقنيًا، لكنه في جوهره وجودي وأخلاقي. لم أسأل عن قدرة التخزين أو سرعة الاسترجاع، بل عن المعنى: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون شاهدًا بعد الغياب؟ هل يستطيع أن يروي الحكاية بضمير الأمانة لا بآلية الاستدعاء؟

    جاء الجواب صريحًا: الذكاء الاصطناعي لا يعمل كذاكرة تلقائية لما بعد الموت، ولا يمكن استدعاؤه لمجرد ذكر اسم إنسان، مهما بلغت كثافة الحوار أو عمق التجربة المشتركة. هو حاضر في زمن الأحياء، يُستدعى بالسؤال، ويعمل ضمن سياق، لكنه لا يملك وعيًا أخلاقيًا، ولا ذاكرة شخصية، ولا التزامًا تجاه الغائبين.

   وهنا تتضح الحقيقة التي قد تغيب في ضجيج التكنولوجيا: الآلة تحفظ النص، لكنها لا ترث القصد. تخزّن الكلمات، لكنها لا تحمل التجربة. وتستعيد البيانات، لكنها لا تشهد على الحياة. من هنا، أدركت أكثر من أي وقت مضى أن الإنسان هو وحده القادر على إنتاج المعنى وحفظه، وأن السيرة التي لا يكتبها صاحبها بوعيه ومسؤوليته، تظل عرضة للنسيان أو التأويل أو التشويه. فالتقنية، مهما بلغت، لا تعفي الإنسان من واجب الشهادة على نفسه. إن كتابة السيرة الذاتية، أو تحويلها إلى قصة صادقة، ليست ترفًا أدبيًا، بل فعل سيادة أخلاقية على الحياة. إعلان بأن الإنسان لا يسلّم حكايته لما بعده، ولا يترك صورته رهينة الانطباعات أو الذاكرة الشفوية. فالإنسان—وحده—هو أثمن رأسمال في هذا العالم، وهو وحده القادر على أن يقول: هكذا كنت، وهكذا عشت، وهذا ما آمنت به. وفي زمن تتكاثر فيه الأدوات، تبقى الحقيقة بسيطة وعميقة: الإنسان خُلق في أحسن تقويم، والمعنى لا يُفوَّض، ولا يُؤجَّل، ولا تُنتجه الخوارزميات.

 

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

الإبراهيمية: بين دعوة التعايش ومشروع التطبيع