علي بن أبي طالب: العدالة التي أغضبت التاريخ


 

علي بن أبي طالب: العدالة التي أغضبت التاريخ

كيف غضب التاريخ وما هي الحقائق التي لم تُروَ؟

  كثرت في الآونة الأخيرة مقاطع ومنشورات تُقدّم سيرة الإمام علي بن أبي طالب وكأنه قضى أيام خلافته في الاقتتال وسفك الدماء، وأنه دمّر ما سُمّي بالإمبراطورية الإسلامية. لكن، ما الذي يخبّئه التاريخ حقًا؟ وما هي الحقائق التي لم تُروَ عن هذا الرجل الذي تفكّر الناس فيه لأكثر من أربعة عشر قرنًا؟

أولًا: مدة الخلافة الحقيقية

   تؤكد كتب التاريخ العربي المعتبرة – مثل تاريخ الطبري، الكامل في التاريخ لابن الأثير، ومروج الذهب للمسعودي أن الإمام علي تولّى الخلافة بعد مقتل عثمان سنة 35 هـ واستُشهد سنة 40 هـ، أي نحو أربع سنوات وتسعة أشهر. لم يرد في أي مصدر موثوق أنه حكم "خمس سنوات وخمسة أشهر"، هذا الرقم غير دقيق، وهذا أول مثال على كيف تُزيّف الأرقام لتشكّل صورة مشوهة عن الزمن الذي قضاه الإمام في خدمة الأمة.

ثانيًا: المعارك الثلاث… دفاع عن الحق لا عن السلطة

   خلال خلافته، وقعت ثلاث معارك كبرى: الجمل وصفين والنهروان. صحيح أن الدماء سالت، لكن هذه ليست حروبًا عدوانية، بل فتن داخلية نتيجة الانقسامات بعد مقتل عثمان واختلاف الناس حول القصاص والبيعة. الإمام علي نفسه عبّر عن أسفه: "ما علمتُ أن الحق يذهب كله، حتى رأيت الناس يتنازعونه." "وددتُ لو أني افتديتُ بما على الأرض جميعًا من ذهب وفضة أن يُصلح الله بين أمة محمد." لم يكن يسعى للقتال، بل للدفاع عن شرعية الحكم ووحدة الدولة، وليس لطلب السلطة أو التوسع الشخصي. 

ثالثًا: التوقف المؤقت للفتوحات

  توقفت الفتوحات الواسعة في زمنه بسبب الحروب الداخلية، لكن هذا لا يعني أنه "لم يفتح شبرًا من الأرض". السلطان امتد على العراق وفارس واليمن والحجاز، وكانت الكوفة مركزًا قويًا لإدارة شؤون الأمة، وأرسل الولاة لضبط العدل والجباية. التاريخ يثبت أن توقف الفتوحات كان استراتيجية واقعية لحماية الدولة من الانهيار الداخلي، وليس تقاعسًا عن القيادة.

رابعًا: النظام والعدالة… ليس ملكًا، بل تكليف

  الادعاءات حول "هدم الإمبراطورية" أو أن حكمه كان "مناركية" سياسية هي باطلة. خلافة عليّ كانت شوروية قائمة على البيعة، ولم يسعَ إلى ملك أو وراثة للسلطة. ففي نهج البلاغة نجد تصريحه: "والله لأنصفنّ المظلوم من ظالمه، ولأقودنّ الظالم بخزامته حتى أُورده منهل الحق وإن كان كارها." فالحكم عنده كان تكليفًا في سبيل الحق، لا غاية شخصية.

خامسًا: شهادات التاريخ المنصفة

المؤرخون السنّة يقرّون بذلك:

  • الطبري: عليًّا أعدل الناس في القضاء وأقربهم إلى الزهد.
  • المسعودي: من أزهد الناس وأشدهم إنصافًا للرعية.
  • ابن الأثير: لم يُعرف عنه ظلمٌ لرعيته أو أخذ مالٍ بغير حق، وكان نصيرًا للمظلومين.

هؤلاء المؤرخون ليسوا من أتباع المذهب الشيعي، ما يدل على صدق الصورة التاريخية للإمام علي بعيدًا عن التحريف المذهبي أو السياسي. 

خاتمة: العدالة التي أغضبت التاريخ

الإنصاف يقتضي قراءة سيرة الإمام علي في سياقها التاريخي، لا بعين التعصب أو التأويل السياسي. عاش زمنًا مضطربًا بين انهيار وحدة الأمة وصراع على السلطة، لكنه حاول إعادة ميزان الحق والعدالة، حتى وإن غضب التاريخ على صورته الصحيحة. مهما اختلفت المذاهب في تفسير الأحداث، يبقى الإمام علي رمز العلم والشجاعة والعدل، ومثلاً يُحتذى به في الصبر على الفتنة، لا في إشعالها.

"ما ترك لي الحق من صديق." – الإمام علي (ع)

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

الإبراهيمية: بين دعوة التعايش ومشروع التطبيع