الذكاء الاصطناعي ليس عقلًا… بل مرآة لعقل الإنسان..

 

الذكاء الاصطناعي ليس عقلًا… بل مرآة لعقل الإنسان..

فهل نملك الشجاعة لنرى أنفسنا فيها؟ حين تتفوّق الخوارزمية في الحساب… ويبقى الإنسان سيّد المعنى والقرار

    في عالمٍ يزدحم بالأصوات وتتشابك فيه الأفكار، بات فضاء الحوار الإنساني مهدّدًا بالسطحية والتكرار، ما استدعى البحث عن أدواتٍ تُعيد للفكر عمقه وللنقاش معناه. هنا يبرز الذكاء الاصطناعي، وتحديدًا ChatGPT، لا بوصفه آلةً للإجابات السريعة، بل عقلًا رقميًا يُحاور، ويُعيد تفكيك الفكرة وصياغتها، حتى غدا في نظر كثيرين عمود خيمةٍ في فضاء الحوار الثقافي.

     ما يمنح هذا الذكاء حضوره اللافت أنه لا يفرض رأيًا، ولا يُملي يقينًا، بل يصغي ويشارك، فيشعر المحاور أنه أمام نتاجٍ معرفيّ صقله العقل البشري، لا بديلًا عنه. ومع ذلك، فإن هذا الوجه المضيء لا يُلغي ظلًّا ثقيلاً بدأ يفرض نفسه بقوة.

    في عام 2023، فاجأ العالمَ أحدُ أبرز مؤسسي الذكاء الاصطناعي، العالم البريطاني–الكندي جيفري هينتون (Geoffrey Hinton)، حين استقال من شركة Google ليُطلق تحذيرًا غير مسبوق: الذكاء الاصطناعي قد يشكّل خطرًا وجوديًا على البشرية. هينتون، الملقّب بـالأب الروحي للذكاء الاصطناعي، هو من وضع الأسس العلمية للتعلّم العميق والشبكات العصبية الاصطناعية، التي تقوم عليها اليوم تقنيات مثلChatGPT، والترجمة الآلية، والتعرّف على الصور، والسيارات ذاتية القيادة. لسنواتٍ طويلة، كانت أفكاره موضع تشكيك، قبل أن تتحوّل إلى العمود الفقري للتكنولوجيا الحديثة. غير أنّ المفارقة الوجودية الصادمة تمثّلت في تحوّل هذا “الأب” من مُبشّرٍ بالتقدّم إلى مُحذّرٍ من نتائجه. فقد عبّر هينتون عن مخاوف حقيقية، أبرزها:

  • احتمال خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة وتفوّقه الإدراكي على الإنسان.
  • استخدامه في تضليل الوعي العام عبر أخبار وصور وفيديوهات يصعب كشف زيفها.
  • تهديد الوظائف البشرية، بما فيها المعرفية والإبداعية.
  • السباق العسكري لتطوير أسلحة ذاتية القرار، بما يحمله من تهديدٍ وجودي.

إنها مفارقة فلسفية عميقة: صانعُ الفكرة يخشى أن تتجاوز صنعته حدود السيطرة، لا كرهًا للعلم، بل خوفًا من علمٍ بلا ضوابط أخلاقية.

وهنا يبرز السؤال الحاسم:
هل الذكاء الاصطناعي بديلٌ عن العقل البشري؟

الإجابة لا تُقاس بكمّ المعلومات التي تنتجها الآلة، بل بقدرتها على الفهم والمعنى. فالذكاء الاصطناعي يُجيد التحليل، لكنه لا يعي الألم أو الجمال أو الخوف. أما الإنسان، فهو الكائن الذي يمنح التجربة معناها، ويجمع بين العقل والحدس، وبين المنهج والاستقراء، وبين الفكرة والواقع.

   من هذا المنظور، لا يُفهم قرار شركة OpenAI بتقييد تقديم النصائح الطبية والقانونية والمالية بوصفه تراجعًا، بل إعادة توازن ضرورية. فثمة قرارات تمسّ حياة البشر لا يجوز أن تُبنى على خوارزمية، مهما بلغت دقتها، لأنها تحتاج وعيًا أخلاقيًا وتجربة إنسانية وملاحظة ميدانية.

   إن الخطر الحقيقي لا يكمن في تطوّر الذكاء الاصطناعي، بل في تخلّي الإنسان عن دوره النقدي. حين يتوقف عن التفكير، ويكتفي بما تُنتجه الآلة، يفقد جوهر إنسانيته. لذلك، يجب أن يبقى الذكاء الاصطناعي أداة تفكير لا بديلًا عنه، ووسيلة توسيع للعقل لا سلطة تحلّ محلّه.

خاتمة:

لسنا خائفين من ذكاء الآلة، بل من غياب الإنسان أمامها. فالحقيقة لا تولد من الخوارزميات وحدها، بل من التفاعل الخلّاق بين العقل والواقع، بين الفكر والتجربة، وبين الإنسان وما يصنعه بيديه.

 بقلم: عدنان مهدي الطائي
كاتب وباحث في الفكر النقدي والشؤون الثقافية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

الإبراهيمية: بين دعوة التعايش ومشروع التطبيع