حين يُصبح الجمال خادمًا للسياسة قراءة استقصائية في اغتيال الذائقة الأدبية والثقافية

 

حين يُصبح الجمال خادمًا للسياسة

قراءة استقصائية في اغتيال الذائقة الأدبية والثقافية

   لم تكن السياسة في جوهرها نقيضًا للجمال، لكنها كثيرًا ما تحوّلت، حين انفصلت عن قيمها الإنسانية، إلى قوّةٍ خشنةٍ تُشوّه الأدب، وتُفرغ الثقافة من معناها، وتكسر العمود الفقري للفنون الجميلة. والمفارقة المؤلمة أن ما يُفترض به أن يرعى الإبداع ويحميه، صار في تجارب كثيرة أداةً لتطويعه أو مصادرته.

    من الرعاية إلى المصادرة في لحظةٍ مفصلية، تتوقّف السياسة عن كونها إدارةً للشأن العام، وتتحوّل إلى وصايةٍ على الوعي. عندها لا يُسأل النص: هل هو جميل؟ بل: هل هو منسجم؟ ولا تُقاس اللوحة بعمقها، بل بمدى خضوعها للخطاب السائد. هنا يبدأ التشويه… لا بضجيج، بل بتآكلٍ صامت.

   الأدب حين يُجرَّد من روحه الأدب بطبيعته سؤال، والسياسة المتصلّبة تخشى السؤال.
فتسعى إلى تحويل الرواية إلى بيان، والقصيدة إلى شعار، والمسرح إلى منصة تبرير.
وحين يُطالَب الكاتب بتجميل الواقع بدل كشفه، يتحوّل الجمال إلى قناع، لا إلى حقيقة. ثقافة الولاء بدل ثقافة القيمة أخطر ما تفعله السياسة حين تتسلّل إلى الثقافة هو خلط المعيار الجمالي بالمعيار السياسي. فيُكافأ الرديء لأنه “مطيع”، ويُهمَّش العميق لأنه “مُقلق”. ومع الزمن، لا تتشوّه الأعمال وحدها، بل تتشوّه الذائقة العامة، ويعتاد المجتمع القبح بوصفه أمرًا طبيعيًا.

الرقابة:

    القاتل الأنيق للجمال ليست الرقابة دائمًا سيفًا مرفوعًا؛ أحيانًا تكون توصيةً ناعمة، أو خطًا أحمر بلا تعريف، أو صمتًا مُريبًا. لكن النتيجة واحدة: خيالٌ خائف، لغةٌ مبتورة، وفنٌّ يتعلّم السير على أطراف أصابعه. 

المثقف بين الشهادة والوظيفة

   حين يتحوّل المثقف إلى موظف لدى السياسة، يفقد دوره كشاهدٍ على عصره. يكتب ليرضي لا ليُضيء، ويدافع بدل أن يُحلّل. وهنا لا تُغتال الحقيقة وحدها، بل يُغتال الجمال معها. هل من خلاص؟ نعم، حين تعود السياسة إلى حجمها الطبيعي، وتكفّ عن لعب دور المعلّم الأعلى للذائقة. حين تفهم أن:

  • الجمال لا يُدار بقرارات.
  • الإبداع لا ينمو في الأقفاص.
  • الثقافة الحرّة لا تُهدِّد الدولة، بل تحميها من التكلّس والانهيار.

خاتمة

  أعظم ما قدّمه الإنسان من أدبٍ وفنٍّ وُلد في لحظات حرّة، أو في صراعٍ شريف مع سلطةٍ حاولت تطويعه. فالجمال لا يحتاج إلى إذن، ولا يزدهر تحت الأوامر، ولا يُنتج الحقيقة إذا طُلِب منه أن يكذب بلطف. إن أردنا ثقافةً حيّة، فلنحرّر الجمال من الخوف،
ولنُعيد السياسة إلى دورها الأخلاقي: أن تحمي الفضاء… لا أن تحتلّه.

بقلم: عدنان الطائي
كاتب وباحث في قضايا الفكر، الثقافة، والنقد الاجتماعي

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

الإبراهيمية: بين دعوة التعايش ومشروع التطبيع