حين يُهزم المضمون أمام الضجيج: مأزق الإبداع في الثقافة العربية
حين يُهزم المضمون أمام الضجيج: مأزق الإبداع في الثقافة العربية
لم يعد السؤال المركزي في المشهد الثقافي العربي:
ماذا يقول النص؟
بل: كيف يبدو؟ ومن يروّج له؟ وكم سيُباع؟من هنا تبدأ المأساة، لا في الإبداع ذاته، بل في الميزان الذي تُقاس به قيمته.
الشكل حين يتحوّل إلى قناع
لا أؤمن بالمقولة الشائعة التي تزعم أن كل مضمون جديد يحتاج بالضرورة إلى شكل جديد، إلا إذا كان هذا المضمون قد فرض شكله فرضًا، وخلق حاجته الجمالية من داخله. أمّا حين يُستحدث الشكل لمجرد الإدهاش، أو لإغراء أجهزة الدعاية، فنحن أمام تمثيل جمالي لا إبداع. كثير مما يُقدَّم اليوم بوصفه “اختراقًا فنيًا” أو “ابتكارًا غير مسبوق”، ينهار أمام سؤال بسيط: ماذا قال لنا هذا النص؟ هل عبّر عنّا؟ هل كشف مشكلاتنا أم غطّاها بالزينة؟ فالتاريخ الأدبي لا يدعم وهم “الشكل أولًا”. نجد نجيب محفوظ لم يخترع شكلًا روائيًا صادمًا، ولا محمود حسن إسماعيل كسر البنية الشعرية ليؤكّد عظمته، ومع ذلك بقيا، لأن المضمون كان حيًا، صادقًا، ومتجذرًا في الإنسان.
استلهام الشعب… وإقصاؤه
المفارقة المؤلمة أن بعض النصوص تستلهم الفنون الشعبية في الشكل، لكنها تُقصي الشعب من المضمون. تستعير القناع، وتُهمل الوجه. فتتحول الأعمال إلى:
- عروض ذهنية تجريدية
- خطابات عن الحرية بلا سياق اجتماعي
- نصوص لا تُظهر العلاقة الجدلية بين الطبقات
- ولا تُنبت المشكلة داخل السرد لتمنحها الحياة
وهكذا يُستنزف جهد الكاتب في البحث عن شكل جديد، لا عن مضمون اجتماعي حي، وكأن العظمة الأدبية لا تتحقق إلا عبر طرق غير مألوفة، ولو كانت بلا ضرورة. حتى إليوت، أحد رموز الحداثة الغربية، حذّر من المبالغة في مطاردة الأشكال الجديدة دون حاجة ماسة.
من النقد إلى السوق
هذا الخلل الجمالي يلتقي اليوم بخلل أخطر: منظومة النشر العربية. في هذه المنظومة:
- تُطبع الكتب ولا تُنشر فعليًا
- تُقاس القيمة بعدد النسخ لا بعمق الأثر
- تُصنع الأسماء بالدعاية لا بالنقد
- ويُهمَّش النص الجيد لأنه لا يصرخ
وحين يقول الناشر للكاتب: «كتابك لم يُبع»، بينما يعثر الكاتب على كتابه في أيدي قرّاء لا يعرفهم، يثنون على مضمونه، فالمشكلة ليست في النص، بل في ميزانٍ اختلّ، وصار يزن الفكر بالضجيج.
القارئ: المحكمة المنسيّة
القارئ الذي لا يعرف الكاتب، ولا ينتظر منه منفعة، هو أصدق معيار. لا تحكمه الموضة، ولا الجوائز، ولا العلاقات. يقرأ، ثم يقول رأيه ويمضي. وحين يقول هذا القارئ: «هذا كتاب جيد»، فهذه شهادة وجود لا يستطيع السوق إلغاءها.
الشكل والمضمون خارج الأدب
العلاقة بين الشكل والمضمون ليست أدبية فحسب، بل إنسانية ووجودية. لان للإنسان ظاهر وباطن، وكم من هيئة مبهرة تخفي فراغًا،وكم من مظهر متواضع يحتضن جوهرًا صلبًا. حتى الكعبة المشرفة، لا تكمن قيمتها العليا في البناء، بل في حقيقتها الروحية. فالشكل دليل، لا جوهر.
قشرة تشير إلى لبّ.خاتمة
لسنا ضد الشكل الجديد، ولا ضد التجريب، ولا ضد الحداثة. لكننا ضد:
- الشكل بلا ضرورة
- الضجيج بلا مضمون
- الشهرة بلا قيمة
في واقع عربي مرتبك، يصبح الدفاع عن المضمون الصادق فعلًا أخلاقيًا. فالأدب ليس مسابقة مبيعات، ولا عرضًا بصريًا سريع الزوال، بل محاولة لفهم الإنسان، وتمثيل قلقه، ومنحه مرآة يرى فيها نفسه. وحين يُهزم المضمون أمام الضجيج، لا يُهزم الكاتب وحده،
بل تُهزم الثقافة.بقلم: عدنان الطائي
كاتب وباحث في الفكر والأدب، مهتم بقضايا الإبداع، العلاقة بين الشكل والمضمون، وأسئلة العدالة الثقافية في الواقع العربي.
تعليقات
إرسال تعليق