من التشخيص إلى الفعل العراق بين انسداد الداخل وتواطؤ الخارج

 

من التشخيص إلى الفعل

العراق بين انسداد الداخل وتواطؤ الخارج

بقلم عدنان الطائي

مقدمة تمهيدية

لم تعد الأزمة العراقية أزمة نظام حكم فاشل فحسب، بل تحوّلت إلى مأزق تاريخي تتشابك فيه عوامل الداخل مع حسابات الخارج. وفي لحظة كهذه، يصبح الاكتفاء بتشخيص المرض نوعًا من التواطؤ غير المقصود مع الزمن، لأن الزمن في العراق لا يداوي، بل يُفاقم، والورم حين يُترك بلا علاج لا ينتظر حسن النوايا.

إن اختزال المأساة في اتهام المجتمع أو في لوم النخب وحدها هو تبسيط مخلّ، يريح الضمير أكثر مما يفسّر الواقع. فالمجتمعات لا تُنتج انحطاطها من تلقاء نفسها، بل تُدفَع إليه عبر منظومات قهر داخلية، وغطاء خارجي وفّر لها الحماية والاستمرار.

أولًا: المرض كما هو… لا كما يُراد لنا أن نراه

حين يتحوّل جزء من المجتمع إلى قطيع سياسي أو إلى حالة ارتزاق جماعي، فإن ذلك ليس انحرافًا أخلاقيًا عفويًا، بل نتيجة سياسة ممنهجة: تجويع، تجهيل، كسر طبقة وسطى، وإغلاق المجال العام بالقوة والمال والدين. القطيع لا يُولد، بل يُصنَع، ويُعاد إنتاجه بوعي كامل من السلطة.

أما النخب الوطنية، فليست معزولة لأنها بلا قيمة، بل لأن منظومة الحكم – المدعومة داخليًا وخارجيًا – جعلت من الصوت الحر تهديدًا، ومن الاستقلال جريمة. الفشل الحقيقي ليس في قلة التأثير، بل في القبول بقواعد لعبة صُمِّمت أصلًا لإقصاء أي بديل.

ثانيًا: العلاج… تفكيك منظومة لا تبديل وجوه

العلاج في الحالة العراقية لا يبدأ بشعارات الإصلاح، بل بتفكيك البنية التي جعلت الإصلاح مستحيلًا:

  • إنهاء اقتصاد السلاح والخوف، لا بوصفه مسألة أمنية فقط، بل بوصفه مشروعًا سياسيًا يحكم المجتمع عبر الرعب.
  • إعادة بناء التعليم كأداة تحرّر لا كقطاع خدمات، لأن الجهل المُنظَّم هو العمود الفقري للاستبداد.
  • استعادة الطبقة الوسطى، لأن الديمقراطية لا تعيش في مجتمع مكسور اقتصاديًا.
  • كشف التحالف العضوي بين الفساد والدين المُسيّس، لا عبر صراع عقائدي، بل عبر فضح المصالح التي تختبئ خلف القداسة.
  • تحويل النخب من أفراد معزولين إلى شبكات فعل وتأثير، تدرك أن المعركة طويلة، ثقافية قبل أن تكون انتخابية.

ثالثًا: الدور الأميركي… من الوهم إلى المساءلة

هنا لا بد من التوقف بوضوح، لا مجاملة فيه، عند الدور الأميركي. فالولايات المتحدة ليست شاهدًا على المأساة العراقية، بل شريكًا بنيويًا في إنتاجها واستدامتها.

منذ 2003، لم تكتفِ واشنطن بتدمير الدولة العراقية، بل أعادت هندستها على أسس:

  • طائفية،
  • هشة،
  • وقابلة للضبط عبر قوى ما دون الدولة.

ورغم معرفتها الكاملة بأن الإسلام السياسي في العراق:

  • فاسد،
  • فاشل،
  • وعديم الشرعية الشعبية،

إلا أنها اختارت التعامل معه بوصفه الضامن الأقل كلفة لمصالحها. لم يكن ذلك جهلًا، بل قرارًا واعيًا: غضّ الطرف عن الميليشيات، التسامح مع الفساد، وتهميش أي مشروع مدني وطني مستقل.

الولايات المتحدة لا تعيق قيام دولة مدنية بالصدفة، بل لأن قيامها يعني:

  • دولة ذات قرار سيادي،
  • سياسة خارجية أقل خضوعًا،
  • ومجتمعًا يصعب ضبطه عبر الوسطاء الطائفيين.

لهذا، فإن الرهان على أن تصطف واشنطن طوعًا مع نخب وطنية علمانية هو وهم سياسي ما لم تُجبَر على ذلك بتغيّر ميزان القوى الداخلي. الولايات المتحدة لا تدعم “الأفضل”، بل “الأضمن”، حتى لو كان الأسوأ على المدى البعيد.

خاتمة:

    كسر الحلقة أو الغرق فيها العراق اليوم أمام مفترق لا ثالث له: إما الاستمرار في الدوران داخل حلقة داخلية–خارجية مغلقة، تُنتج القطيع وتخنق النخبة وتحميها القوى الدولية، أو الشروع في مسار شاق لتفكيك هذه الحلقة وبناء بديل وطني مدني حقيقي، لا ينتظر الخارج، ولا يستأذنه، بل يفرض نفسه عليه. التشخيص خطوة أولى، لكن العلاج صراع طويل مع الداخل والخارج معًا. ومن دون هذا الوعي، سيظل الزمن يأكلنا، وسيكبر الورم، حتى يصبح الحديث عن الدولة مجرد حنين متأخر.

وبعبارة أخرى، نحن لا نملك ترف الوقت، لكننا لا نملك أيضًا ترف الأوهام. الطريق إلى الدولة المدنية في العراق ليس انقلابًا سريعًا ولا تدخّلًا خارجيًا منقذًا، بل مسار طويل من تفكيك الانغلاق وبناء البديل. التشخيص بداية، والعلاج معركة، والنتيجة رهن بالصبر التاريخي، لا بالانتظار. إما أن نبدأ الآن في كسر الحلقة، أو نواصل الدوران داخلها حتى يبتلعنا الزمن بالكامل.

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

الإبراهيمية: بين دعوة التعايش ومشروع التطبيع