خطاب ترامب عن العراق:

 

خطاب ترامب عن العراق:

الاعتراف المصلحي، وتجهيل الشعوب، وإعادة إنتاج الشرق الأوسط الجديد

بقلم عدنان الطائي

    لم يكن تصريح دونالد ترامب بأن احتلال العراق كان «خطأً» مجرّد مراجعة سياسية متأخرة، ولا اعترافاً أخلاقياً بما لحق بالبلاد من دمارٍ شامل، بل جاء في سياق خطاب سياسي مصلحي محسوب، يعبّر عن جوهر العقل الاستراتيجي الأميركي الذي لا يعترف بالأخطاء إلا حين تتحول إلى عبء على المشاريع الكبرى.

    في السياسة الأميركية، لا يُستخدم الاعتراف بوصفه اعتذاراً، بل أداة لإعادة التموضع، ووسيلة لبناء سردية جديدة تبرّر انتقالاً إلى سياسات أكثر صرامة. وترامب، بعقليته الشعبوية البراغماتية، لا ينظر إلى العراق كقضية إنسانية، بل كملف أسيء استثماره وأُدير خارج حسابات الربح والخسارة.

الاعتراف: أداة لا ضمير

   حين يربط ترامب بين خطأ احتلال العراق وبين تمدد النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، فهو لا يستحضر معاناة العراقيين، ولا يتوقف عند ضحايا الحرب أو انهيار الدولة والمجتمع، بل يختزل المأساة كلها في نتيجة واحدة: أن الاحتلال لم يحقق المصلحة الأميركية كما كان مخططاً له. بهذا المعنى، لا يصبح الاحتلال خطأً في ذاته، بل خطأ في الإدارة. وتتحول الكارثة العراقية من جريمة سياسية إلى خلل تكتيكي في موازين النفوذ.

العراق: من دولة إلى ساحة

   الأخطر في هذا الخطاب أنه يكرّس رؤية ترى العراق لا كدولة ذات سيادة، بل كساحة صراع مفتوحة. وفي المنطق الاستراتيجي للقوى الكبرى، الفرق بين «الدولة» و«الساحة» ليس توصيفاً لغوياً، بل حكماً سياسياً: الدولة تُدار بمنطق الشراكة والمصالح المتبادلة. أما الساحة فتُدار بالضغط، والعقوبات، والفوضى المضبوطة وهكذا يُختزل العراق إلى مساحة نفوذ، ويُختزل شعبه إلى متغيّر ثانوي لا فاعل في تقرير مصيره.

تجهيل الشعوب كآلية للهيمنة

   يترافق خطاب الاعتراف بالخطأ مع استمرار سياسات تجهيل الشعوب، لا تمكينها. فالقوى الكبرى لم تعمل يوماً على بناء وعي سياسي حقيقي في البلدان التي تدخلت فيها، لأن: الشعوب الواعية عصيّة على السيطرة، أما المجتمعات المنهكة والمُضلَّلة، فسهلة التوجيه أو الكسر. في العراق، لم يكن فشل بناء الدولة مصادفة، بل نتيجة مسار واضح: دعم نخب فاسدة، ترسيخ الطائفية السياسية، غضّ الطرف عن الميليشيات، وتفكيك مفهوم المواطنة. كل ذلك أسهم في إنتاج مجتمع مشلول الإرادة، عاجز عن بلورة بديل وطني، وهو ما يخدم مشاريع الهيمنة أكثر من أي احتلال مباشر.

الشرق الأوسط الجديد: المشروع الذي لم يتوقف

   لا يمكن فصل تصريح ترامب عن مشروع «الشرق الأوسط الجديد»، الذي لم يُلغَ، بل تغيّرت أدواته. فبعد فشل الفوضى العارمة في إنتاج أنظمة مستقرة وموالية، يجري الانتقال اليوم إلى مرحلة إعادة ضبط قاسية، تعتمد: إعادة هندسة النفوذ، تفكيك ساحات الصراع، واستخدام الضغط الاقتصادي والسياسي وربما العسكري. ويبقى العراق، بحكم موقعه وهشاشته البنيوية، إحدى أكثر الساحات عرضة لإعادة التشكيل، لا لإعادة البناء.

هل التغيير قادم؟

   نعم، التغيير قادم، لكن السؤال الحاسم: لمن سيكون هذا التغيير، وبأي كلفة؟ فالتغيير الذي تقوده المصالح لا يحمل بالضرورة عدالة، ولا يضع كرامة الشعوب في سلّم أولوياته. وقد يُطيح بقوى ليعيد إنتاج قوى أخرى أكثر طواعية، من دون المساس بجوهر الأزمة: غياب الدولة الوطنية المستقلة.

 الخلاصة

  خطاب ترامب لا يفتح باب الخلاص، بل يكشف حقيقة صادمة: لا إنسانية في السياسة الدولية، ولا خلاص يُمنح من الخارج، ولا تغيير حقيقياً بلا وعي داخلي ومشروع وطني جامع. العراق اليوم أمام مفترق حاسم: إما أن يعيد تعريف نفسه كدولة ذات قرار سيادي،
أو أن يُترك مرة أخرى ليُعاد تشكيله وفق خرائط الآخرين. وفي السياسة، من لا يمسك بمصيره بيده، تتسابق الأيدي جميعها للإمساك به.

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

الإبراهيمية: بين دعوة التعايش ومشروع التطبيع