حين تتحوّل القداسة إلى ذريعة للقتل والفساد

 

حين تتحوّل القداسة إلى ذريعة للقتل والفساد

(سقوط العدالة في حكم الإسلام السياسي وفق فلسفة أرسطو وهوبز وحنّة آرندت)

بقلم عدنان الطائي

مقدمة

   ليست المشكلة في الجريمة ذاتها، بل في تقديسها. فالتاريخ الإنساني عرف القتلة والسارقين والمستبدين، لكنه نادرًا ما عرف أنظمة تُلبس الجريمة لباس الفضيلة، وتحوّل القتل إلى عبادة، والتعذيب إلى واجب ديني. هنا تحديدًا تكمن خطورة الإسلام السياسي كما يُمارَس اليوم في العراق وإيران: ليس بوصفه مشروع حكم فاشل فحسب، بل بوصفه انقلابًا فلسفيًا على مفهوم العدالة نفسه.

أولًا: حين يُلغى مفهوم الجريمة

   في الدولة الحديثة، الجريمة فعل يُدان، والفاعل يُحاسَب. أما في أنظمة الإسلام السياسي، فإن الجريمة لا تُلغى بالقانون، بل تُلغى بالتأويل: معارضة السلطة تصبح معارضة للطائفة، ومعارضة الطائفة تُعاد صياغتها كمعاداة للدين، ومن ثمّ يُباح القتل، ويُشرعن التعذيب، وتُصادَر الكرامة باسم المقدّس. وهنا لا يعود الجاني مجرمًا في وعيه، بل (مؤديًا لواجب(، ولا يرى في ضحاياه بشرًا، بل فتنة أو خطرًا وجوديً.

ثانيًا: أرسطو والعدالة كفضيلة مفقودة

   يرى أرسطو أن العدالة ليست مجرد قانون، بل فضيلة أخلاقية تحفظ توازن المجتمع، وتقوم على إعطاء كل ذي حق حقه. لكن ماذا يحدث حين تتحوّل العدالة من ميزان أخلاقي إلى أداة طائفية؟ في العراق وإيران، لا يُحاسَب الجاني لأنه من الجماعة،
ولا يُنصَف الضحية لأنها خارج السردية المقدسة. وبذلك تسقط العدالة الأرسطية، لأن الدولة لم تعد تسعى إلى الخير العام، بل إلى حماية سلطتها المؤدلجة.

ثالثًا: هوبز والدولة التي خانت عقدها

   يقول توماس هوبز إن الإنسان تنازل عن جزء من حريته للدولة مقابل الأمن. لكن ماذا لو أصبحت الدولة نفسها مصدر الخوف؟ حين تمارس السلطة القتل والاعتقال والترويع، ثم تطالب لاحقًا بالعفو العام وفتح صفحة جديدة دون محاسبة، فإنها تعلن صراحة فسخ العقد الاجتماعي. الدولة التي لا تحمي مواطنيها، بل تحمي جلاديهم، تفقد شرعيتها الفلسفية قبل السياسية.

رابعًا: حنّة آرندت وابتذال الشر المقدّس

   تحدّثت حنّة آرندت عن تفاهة الشر، حين يتحوّل المجرم إلى موظف يطيع الأوامر بلا تفكير. لكن في الإسلام السياسي، نحن أمام درجة أخطر: ابتذال الشر المقدّس. الجلاد هنا لا يقول :كنت أنفذ الأوامر، بل يقول: كنت أطيع الله. وهذا أخطر أشكال العنف، لأنه يُغلق باب الندم، ويمنع الاعتراف، ويحوّل الجريمة إلى هوية.

خامسًا: العفو بلا عدالة… جريمة مضاعفة

   الدعوة إلى العفو العام دون محاسبة ليست تسامحًا، بل إعادة إنتاج للعنف. فالمجتمع الذي يُبقي المجرمين طلقاء، ويسجن الأبرياء، لا يمارس الرحمة، بل يكرّس الظلم. العدالة الانتقالية لا تبدأ بالعفو، بل بالحقيقة. ولا تُبنى المصالحة على النسيان، بل على الاعتراف والمسؤولية.

خاتمة: سيف العدالة لا سيف الانتقام

   حين قال عبد الرحمن الداخل: لا رفاه بغير أمن، ولا أمن بغير حزم، ولا حزم بغير عدل، لم يكن يدعو إلى البطش، بل إلى منطق الدولة. سيف العدالة ليس أداة انتقام، بل حدّ فاصل بين الدولة والميليشيا، بين الدين كقيمة أخلاقية، والدين كذريعة للقتل. وأي سلطة ترفض المحاسبة، وتُقدّس الجريمة، إنما تحكم على نفسها بالسقوط، لأن العدالة، كما علّمنا الفلاسفة، ليست خيارًا سياسيًا بل شرط وجود المجتمع ذاته.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

الإبراهيمية: بين دعوة التعايش ومشروع التطبيع