الحياة بكلمة واحدة: بين العبث والمعنى والعبور
الحياة بكلمة واحدة: بين العبث والمعنى والعبور
بقلم عدنان الطائي
هل يمكن اختصار الحياة بكلمة واحدة؟ ليس السؤال لغويًا، بل وجوديٌّ بامتياز. فكل محاولة لتعريف الحياة ليست وصفًا لها، بل موقفًا منها، وانعكاسًا لما اختبره الإنسان في صراعه مع الزمن، والمعنى، والفناء. لهذا، اختلفت التعريفات بتعدد التجارب: فقيل إن الحياة تجربة، لأنها تُعاش قبل أن تُفهم. وقيل إنها سؤال، لأنها تبدأ بلا جواب وتنتهي بلا يقين. ورآها آخرون زمنًا، يستهلكنا بقدر ما نعتقد أننا نملكه. أما شوبنهاور فاختصرها في المعاناة، بينما تمسّك فيكتور فرانكل بأنها معنى يُنقذ الإنسان من الانهيار. لكن هذه التعريفات جميعًا تصطدم بجدار فلسفي صلب، هو ما سمّاه ألبير كامو: العبث. العبث: صمت العالم أمام أسئلة الإنسان. العبث، عند كامو، لا يعني أن الحياة بلا قيمة، بل يعني التناقض الجذري بين عطش الإنسان للمعنى وصمت العالم. نحن نسأل، والعالم لا يجيب. نبحث عن العدالة، فنصطدم باللامبالاة. نطلب النظام، فنجد الفوضى. من هنا، تصبح مقولة “الحياة معنى” ليست حقيقة كونية، بل محاولة إنسانية نبيلة لمقاومة العبث. كامو يرفض الاستسلام، كما يرفض القفز الإيماني غير الواعي، ويرى أن الموقف الأخلاقي الأسمى هو أن نعيش الحياة بوعي عبثيتها، لا أن نهرب منها.
هايدغر: الحياة بوصفها وجودًا نحو الموت
إذا انتقلنا إلى مارتن هايدغر، نجد تعريفًا أكثر جذرية: الإنسان هو كائن-نحو-الموت. الحياة، عند هايدغر، لا تُفهم من بدايتها، بل من نهايتها. فالوعي بالموت هو ما يمنح الوجود أصالته. لكن هذا الوعي لا يقود إلى اليأس، بل إلى ما يسميه هايدغر الوجود الأصيل: أن يعيش الإنسان حياته كما لو أنها مسؤوليته الكاملة، لا نسخة مكررة من الآخرين. وهنا تلتقي فلسفة هايدغر مع كامو: كلاهما يرفض المعنى الجاهز، ويحمّل الإنسان مسؤولية موقفه من الوجود.
سارتر: الحياة اختيار بلا عذر
أما جان بول سارتر، فيذهب أبعد في تحميل الإنسان المسؤولية، حين يقول: الوجود يسبق الماهية. الإنسان، عند سارتر، يُلقى في العالم بلا جوهر مسبق، ولا معنى محدد، ثم يُدان بالحرية. الحياة هنا ليست تجربة ولا سؤالًا فقط، بل اختيار دائم، ومسؤولية لا مهرب منها. ولا يحق للإنسان أن يلوم القدر، أو الطبيعة، أو الإله، على ما يصير إليه.
عبور: كلمة تلتقي عندها الفلسفات
عند جمع هذه الرؤى، لا نصل إلى تعريف واحد للحياة بل إلى خلاصة حكيمة:
- مع كامو: الحياة عبث يُواجَه بكرامة
- مع هايدغر: الحياة وجود واعٍ بفنائيته
- مع سارتر: الحياة حرية ومسؤولية
لكن بعد أن يهدأ الصراع ويثقل العمر بالتجربة، قد تختصر الحياة في كلمة لا تدّعي المعنى
ولا تنكره:الحياة: عبور
العبور لا يفترض وعدًا نهائيًا، ولا خلاصًا مضمونًا، ولا معنى مُسبقًا، بل يركّز على كيف نمرّ، لا على أين نصل. أن نرى الحياة عبورًا يعني أن نخفف أوهام السيطرة، وأن نُحسن العيش دون ضجيج ادعاء.
وفي النهاية،
لا يعود السؤال: ما معنى الحياة؟ بل:بأي وعي نعبرها؟
وبأي أثر نغادرها؟عدنان مهدي الطائي
تعليقات
إرسال تعليق