مقال: لماذا فشل التيار المدني في العراق؟ العِلَل البنيوية وأسباب الانهيار الانتخابي

 

 

مقال: لماذا فشل التيار المدني في العراق؟

العِلَل البنيوية وأسباب الانهيار الانتخابي

بقلم: عدنان مهدي الطائي

    شهدت انتخابات 11/11/2025 واحدة من أقسى الهزائم التي مُني بها التيار المدني في العراق منذ 2003، بعد ما لم يتمكن بجميع تشكيلاته من تجاوز حاجز (228 ألف صوت)، باستثناء فوز منفرد للبعض، فيما بقيت أغلب القوى المدنية خارج التأثير السياسي الفعلي. هذه النتيجة ليست حدثاً عابراً، ولا مجرد "انتكاسة انتخابية"، بل إعلان واضح عن انهيار بنيوي أصاب المشروع المدني نفسه، الذي فشل في اجتذاب شارع هو أصلاً مدني بطبيعته، ويرفض الطغيان، ويتوق لدولة قانون، لكنه لم يجد في القوى المدنية بديلاً جديراً بالثقة.

   ورغم كثافة التحليلات التي صدرت بعد الانتخابات، أغلبها اكتفى بتحميل المسؤولية للمنظومة الحاكمة والمال السياسي والسلاح المنفلت، من دون التوقف عند العلّة الجوهرية داخل التيار المدني نفسه، وهي العلّة التي تآكلت منها قوى مدنية كانت تُعدّ لسنوات "الأمل الأخير" للعراقيين.

أولاً: أزمة الزعامة… المرض المزمن للتيار المدني

    أكبر عيوب التيار المدني أنه لم يختلف عن بقية القوى السياسية في مرض الزعامة.
كل حزب، وكل حركة، وكل تجمع صغير، يمتلك "زعيمه" و"قائده" و"أناه المتضخمة".
لم يستطع المدنيون، رغم خطابهم الحضاري، أن يكونوا نموذجاً للتواضع السياسي أو القيادة الجماعية، بل ظلّوا أسرى صراع من يقود ومن يتصدر ومن يظهر على الشاشات. وهذه الأمراض أنتجت:

  • انقسامات لا تنتهي
  • تشتتاً في الخطاب
  • غياب قيادة موحدة
  • ورفض كل طرف أن يكون جندياً في مشروع أكبر

وهكذا تحوّل التيار المدني إلى جزر معزولة، كل جزيرة تتصور نفسها "الحامل الوحيد للمشروع الوطني".

ثانياً: الخطاب النخبوي البعيد عن الشارع

في الوقت الذي تقدم فيه القوى الحاكمة لجمهورها:

  • المال
  • الحماية
  • الوظائف
  • الهوية الدينية
  • ونفوذ الدولة

    لم يقدم التيار المدني للناس إلا خطاباً نخبوياً مليئاً بالمصطلحات السياسية والتنظيرات الفكرية. هذا الخطاب لا يصل للشرائح التي تبحث عن الحلول، لا عن المحاضرات. لم يسأل المدنيون السؤال البسيط الذي يحدد مصير أي مشروع سياسي: ماذا سنقدّم للمواطن في حياته اليومية؟ وظيفة؟ خدمات؟ أمان؟ عدالة؟ لم يمتلكوا خطة واضحة لأي من ذلك.

ثالثاً: غياب البرنامج الاقتصادي والاجتماعي

فشل التيار المدني في صياغة برنامج بديل للدولة. فكان خطابه معلقاً في الهواء، شعارياً، من دون أن يحلّ:

  • أزمة الفقر
  • أزمة البطالة
  • أزمة الخدمات
  • سطوة الميليشيات
  • الانهيار الاقتصادي
  • فقدان سيادة الدولة

وبدلاً من ذلك، بقي التركيز على "محاربة الفساد" و"بناء الدولة المدنية" كعبارات عامة لا تلامس وجع المواطن الحقيقي.

رابعاً: القطيعة مع الشارع

برغم أن الشارع العراقي مدني في جوهره، إلا أن القوى المدنية فشلت في بناء قاعدة شعبية لعدة أسباب:

1.  عدم التواصل الفعلي مع الناس

2.  غياب حضورهم في النقابات والجامعات والأحياء

3.  الانغلاق في الدوائر النخبوية

4.  الانشغال بالصراعات البينية بدل الصراع مع المنظومة

النتيجة:
جمهور بلا قيادة، وقيادات بلا جمهور.

خامساً: الانخراط التدريجي في قواعد اللعبة نفسها

بعض القوى المدنية انجرفت – عن وعي أو بدونه – إلى تبني:

  • لغة الصفقات
  • التحالفات المصلحية
  • مقاعد المحاصصة
  • والانسجام مع شروط المنظومة نفسها

فتشوّهت صورتها كحالة إصلاحية، وفقدت نقاءها أمام الشارع.

سادساً: غياب المشروع الوطني الموحد

التيار المدني لم يتمكن من تقديم نفسه كبديل وطني قادر على إدارة الدولة. لا رؤية موحدة، ولا استراتيجية مشتركة، ولا عقد سياسي يجمع الجميع على برنامج واحد.
بل تحوّل كل حزب إلى مشروع خاص، وأحياناً مشروع شخصي مرتبط بقيادته، وليس مشروع دولة.

سابعاً: العجز عن تحويل الاحتجاج إلى مشروع سياسي

  برغم أن تشرين كانت أكبر موجة احتجاج مدنية في تاريخ العراق، إلا أن القوى المدنية عجزت تماماً عن تحويل هذه الطاقة الشعبية إلى:

  • تنظيم
  • حزب
  • قيادة
  • مشروع دولة

فتبخّر الإرث التشريني، وبقي الشارع يتيماً بلا حاضنة. 

ثامناً: الهروب من الاعتراف بالخطأ

  أخطر ما في التيار المدني أنه لا يمتلك ثقافة الاعتراف بالفشل. بعد كل انتخابات، يعود الخطاب نفسه: المنظومة، السلاح، التزوير مع أن جزءاً كبيراً من الفشل ذاتــي، لا علاقة له بالآخرين.

الخلاصة

إن فشل التيار المدني في الانتخابات الأخيرة ليس حدثاً معزولاً، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من:

  • تضخم الأنا
  • صراع الزعامة
  • ضعف التنظيم
  • غياب البرنامج
  • النخبوية
  • القطيعة مع الناس
  • التشتت والانقسام
  • وتشوه الصورة العامة للمشروع المدني

    ولهذا لن تقوم للمدنية قائمة في العراق ما لم تخضع لعملية مراجعة جذرية وشجاعة، تبدأ بالاعتراف بالمرض قبل البحث عن العلاج، وتعيد تشكيل نفسها كقوة وطنية واقعية، تمتلك برنامجاً واضحاً، وتضع مصلحة العراق فوق مصالح الزعماء والأحزاب والواجهات.

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

الإبراهيمية: بين دعوة التعايش ومشروع التطبيع