المشاركات

عرض المشاركات من أكتوبر, 2025

فلسفة الذاكرة والخلود في الأدب الحديث

صورة
  فلسفة الذاكرة والخلود في الأدب الحديث   بقلم: عدنان الطائي في عالمٍ يتسارع فيه كلّ شيء نحو الزوال، تبقى الذاكرة هي آخر قلاع الإنسان في مواجهة الفناء. فحين تتلاشى الأسماء وتخفت الأصوات، يظلّ ما نكتبه ونحفظه في ذاكرة الآخرين هو الشاهد الوحيد على مرورنا في هذا الوجود. عندها يصبح السؤال الفلسفي القديم أكثر إلحاحًا : هل يمكن للإنسان أن يهزم الموت بالذاكرة؟ وهل الأدب هو الطريق نحو خلوده المعنوي؟ الذاكرة كجوهر للوجود الإنساني الذاكرة ليست صندوقًا للماضي، بل هي محرّك الحاضر ومعمار الهوية . بها نعرف من نحن، ومن خلالها نواصل الوجود رغم الفقدان . لقد قال الفيلسوف الفرنسي برغسون إن الذاكرة ليست زمنًا يُخزَّن، بل حياة تُعاد باستمرار . ومن هذا المنطلق، يغدو تذكّرنا للوجع والحب والخسارة فعلًا من أفعال المقاومة، فحين نحفظ الألم نصنع منه معنى، وحين نحفظ المعنى نصبح أحياء رغم التلاشي . إن من يفقد ذاكرته لا يفقد الماضي فحسب، بل يفقد ذاته أيضًا، لأن الوجود بلا ذاكرة هو وجود بلا جذور، بلا رواية، بلا ظلٍّ إنساني . الأدب كأداة للخلود منذ فجر التاريخ، كان الأدب هو الصوت الذي يتحدّى ا...

مقارنة بين الهمسة والخاطرة والقصة القصيرة: حدود النصوص القصيرة في الأدب المقارن

صورة
  مقارنة بين الهمسة والخاطرة والقصة القصيرة: حدود النصوص القصيرة في الأدب المقارن بقلم: عدنان مهدي الطائي    في عالم الأدب، تتعدد الأجناس وتتقاطع، ويزداد التداخل خصوصًا بين النصوص القصيرة مثل الهمسة، والخاطرة، والقصة القصيرة . لكنها تختلف من حيث الطول، الأسلوب، والهدف الفني .   الهمسة    الهمسة هي نبضة وجدانية مكثّفة، قصيرة جدًا، غالبًا جملة أو فقرتين، تشبه الهمس في الأذن، هدفها نقل شعور أو فكرة لحظية، دون سرد أو تفصيل . هي كلمات موجزة لكنها عميقة، تترك أثرًا سريعًا في النفس . مثال : ابتسامتك… جعلت الكون ينسى نفسه .   الخاطرة   الخاطرة أطول قليلًا، تمتد إلى عدة فقرات، وتتميز بالتأمل الذاتي والمشاعر المتدفقة . يمكن للخاطرة أن تحتوي على سرد قصير، وصف، أو تأمل في موقف حياتي، لكنها لا تتخذ شكل القصة الكاملة . مثال : حين أغلق الباب خلفي، شعرت بالوحدة تتسرب في أركان الغرفة، كأنها تنتظرني لتعرف سرّ حيرتي… جلست أستمع إلى صدى الأفكار، وأدركت أن كل لحظة هي فرصة لإعادة اكتشاف نفسي .   القصة القصيرة    القصة القصيرة تتضمن ...

الهمسة بين المعنى والفن

صورة
  الهمسة بين المعنى والفن بقلم: عدنان مهدي الطائي في عالم الأدب، تتعدد الأجناس وتتقاطع الحدود بين الشعر والنثر، بين القصة والومضة، حتى ظهرت الهمسة — ذلك الشكل الأدبي الرقيق الذي يقع بين الوجدان واللغة، بين القول والصمت .     الهمسة ليست قصيدة طويلة ولا قصة مكتملة الأحداث، بل هي نبضة شعورية مكثّفة، تلتقط لحظة واحدة من الإحساس وتحوّلها إلى عبارة قصيرة، تومض في القلب أكثر مما تُسمع في الأذن. هي أقرب إلى أن تكون إشارة وجدانية، أو صوتًا داخليًا يهمس بما تعجز اللغة الصريحة عن قوله . لكن كثيرًا من الكتّاب اليوم وسّعوا مفهوم الهمسة، فباتت تتخذ شكل نصٍّ قصير يقترب أحيانًا من القصة الوجدانية أو الشعر المنثور، دون أن تفقد جوهرها الهادئ : الصدق العاطفي والاقتصاد في التعبير .     إذن، يمكن القول إن الهمسة هي فنّ التلميح لا التصريح، والاختزال لا الإطالة . قد تكون سطرًا واحدًا، أو فقرة صغيرة، المهم أن تبقى محتفظة بروحها : تلك اللحظة التي يتكلم فيها القلب بصوتٍ خافتٍ، يسمعه من يشبهنا . تمهيد لمجموعة همسات على حافة الوجود    هذه الهمسات ليست حكا...

مجموعة همسات تأملات في الحبّ بوصفه كينونة ونجاة

صورة
  مجموعة همسات تأملات في الحبّ بوصفه كينونة ونجاة بقلم: عدنان مهدي الطائي   المجموعة الأولى: همسات على حافة الوجود .1 خارج الزمن أحبكِ، لا لأنكِ أنتِ، بل لأن حضوركِ يمنح الوجود معنى، كأن الكون كان ناقصًا حتى ابتسمتِ .   .2 ما وراء الوجود كل ما فيّ يتجه نحوكِ كما تتجه المجرات إلى مركز الضوء، أراكِ في لحظة الوعي الأولى، وفي آخر حيرةٍ قبل الفناء .   .3 حدود العدم حين أفكر فيكِ، يختلّ النظام الكوني داخلي، فأصبح ما بين كينونتين : أنا الذي كنتُ، وأنا الذي أنتِ أوجدتِه . .4 الخلود المؤقت لا أطلب بقاءكِ، فالبقاء وهمُ الفانين، لكنّني أريد أن أذوب فيكِ لحظةً تساوي دهور الوجود .   .5 صدى الوعي كلّ حبٍّ لا يهزّ الفكرة لا يستحق أن يُسمّى عشقًا، وأنا، مذ عرفتكِ، أصبحتُ أشكّ في حدودي، وأؤمن أن الإنسان خُلِق ليحبّ أكثر مما يُفسّر . . 6 تجلّي الغياب في غيابكِ أراكِ أكثر، وفي حضوركِ يغيب العالم، كأنّ الغياب هو الحقيقة، والحبّ هو الدليل الوحيد على أننا وُجدنا حقًّا .   المجموعة الثانية: همسات رومانسية .1 همسات حين تهمسين باسمي،...

من فصل الدين عن الدولة إلى فصل الدين عن الثقافة.. دين بلا ذاكرة.. حين يفقد الإيمان صوته الثقافي

صورة
  من فصل الدين عن الدولة إلى فصل الدين عن الثقافة.. دين بلا ذاكرة.. حين يفقد الإيمان صوته الثقافي بقلم : عدنان مهدي الطائي المقدمة    يرى المفكر الفرنسي أوليفييه روا أنّ ما يُسمّى بـ «أزمة الدين» أو صعود الحركات الدينية المتشددة لا يمكن تفسيره ببساطة على أنه صراع حضارات أو اصطدام بين الشرق والغرب، كما يقترح ذلك صمويل هنتنغتون في نظريته المعروفة (صدام الحضارات). بل إن جذور هذه الأزمة تكمن في انفصال الدين عن الثقافة، أي أن الدين اليوم يتقدّم في سياق منفصل عن الأطر التاريخية والثقافية التي نشأ فيها . هنا يظهر مفهوم (الجهل المقدّس ( ، الذي يصف ظاهرة دينية حديثة قائمة على طقوس أو شعائر معزولة عن تراث ثقافي عميق . الجهل هنا لا يعني غياب المعرفة العلمية، بل تجاهل الأبعاد الثقافية والتاريخية للدين؛ أي أنّ الدين يُمارَس خارج سياق الثقافة الكبرى التي كانت تمنحه المعنى، فيصبح طقسًا أو شعيرة مباشرة وسهلة الفهم، معزولة عن جذورها الفلسفية والروحية . أما «المقدّس» في هذا المفهوم، فيشير إلى القداسة التي تمنحها جماعة أو حركة دينية لهذه الممارسات المعزولة، دون الرجوع إلى خلفية...