كورش وتحالفه مع اليهود ومملكة سليمان ضد البابليين ضمن مقالة العلاقة التاريخية بين حضارة وادي الرافدين وحضارة إيران

 

كورش وتحالفه مع اليهود ومملكة سليمان ضد البابليين

ضمن مقالة العلاقة التاريخية بين حضارة وادي الرافدين وحضارة إيران

بقلم عدنان الطائي

أولاً: ما هو "السبي البابلي"؟

    يشير السبي البابلي إلى حملات نبوخذ نصر الثاني، ملك بابل، على مملكة يهوذا (القدس تحديدًا) في القرن السادس قبل الميلاد (586 ق.م.).. دمّر القدس، وأحرق الهيكل، وساق عددًا كبيرًا من اليهود أسرى إلى بابل. ويُعد هذا الحدث كارثة دينية وتاريخية في الذاكرة اليهودية، وقد ورد في التوراة وسفر المزامير (137):على أنهار بابل هناك جلسنا فبكينا..

ثانيًا: من هو كورش؟ وما علاقته باليهود؟

كورش الكبير (Cyrus the Great) هو مؤسس الإمبراطورية الفارسية الأخمينية، أسقط بابل عام 539 ق.م. واعتبروه في التقاليد اليهودية (المخلّص الوثني)، حيث ورد اسمه صراحة في التوراة (سفر إشعياء 45:1): هكذا يقول الرب لمسيحه، لكورش الذي أمسكت بيمينه. وبعد دخوله بابل، أصدر ما يُعرف بـ(مرسوم كورش (، سمح فيه لليهود بالعودة إلى أورشليم (القدس) وبناء الهيكل من جديد. وقد تم تسجيل ذلك أيضًا في أسطوانة كورش (وثيقة تاريخية بالخط المسماري)، والتي اعتبرها بعض الباحثين أول إعلان عالمي لحقوق الإنسان (وإن كان هذا فيه مبالغة حداثية).

 ثالثًا: هل تحالف كورش مع اليهود سياسيًا ضد بابل؟

    لا يوجد دليل تاريخي مباشر أن اليهود تحالفوا مع كورش عسكريًا ضد البابليين، لكن من المؤكد أن اليهود كانوا من الشعوب المغضوب عليها في بابل بسبب تمرّداتهم. وعندما دخل كورش، وجد فيهم شعبًا موالياً ومحبًا له، بسبب سماحه لهم بالعودة إلى ديارهم.. ولذلك يمكن اعتبار العلاقة بين كورش واليهود علاقة سياسية - دينية نفعية من الطرفين:

  • كورش عزّز صورته كملك متسامح ومنقذ.
  • واليهود وجدوا فيه خلاصًا من المنفى، وأعطوه لقب "المسيح" (الممسوح من الله)!

 رابعًا: وماذا عن "مملكة سليمان"؟ هل كانت موجودة حينها؟

  • لا. "مملكة سليمان" كما تذكرها النصوص التوراتية، كانت بحسب الرواية التقليدية قبل نبوخذ نصر بـ نحو 400 سنة.
  • في عهد السبي البابلي لم تكن هناك مملكة يهودية قائمة، بل ما تبقى منها تحت الهيمنة البابلية.
  • كورش لم يتحالف مع "دولة يهودية"، بل مع جماعة دينية مشتتة في بابل.

 رأيي التاريخي الشخصي، باختصار:

كورش استخدم دهاءه السياسي باحتواء الشعوب الخاضعة، واليهود كانوا أحدهم. أعاد لهم كرامتهم الدينية، فمجّدوه بلا حدود، بل لدرجة غير مسبوقة في الكتاب المقدس. البابليون لم يدمروا فقط مملكة يهوذا، بل كانوا قوّة عسكرية لا تعترف بولاء ديني، بل فقط بولاء سياسي، فكان الصراع معهم حتميًا.

 المفارقة العجيبة:

  • اليهود يكرهون البابليين (رغم أنهم عاشوا أزهى فترات فكرهم في بابل والفوا التوراة خلال تواجدهم في بابل أربعون سنة دون اضطهاد، يمارسون طقوسهم بكل حرية، هم ناكري الجميل).
  • ويُمجّدون كورش، الملك غير اليهودي، لأنه منحهم ما لم يمنحه ملوكهم!

من منطلق عدالة السيف إلى نبوّة المنفى وكيف كُتبت التوراة في ظلال بابل؟ جعلني الواقع ان اكشف عن سؤالين عما ورد في المفارقة العجيبة المشار اليها أعلاه:

-     هل تعتبر الحروب آنذاك تاريخيا من قبل الدول القوية حروب عادلة وإنسانية مدفوعة دينيا حتى يصل الحال الى سبي شعوب وتدمير مدنهم وقتل الناس؟

-     من خلال تواجد اليهود في بلاد بابل طيلة أربعون سنة وانجازهم لكتاب التوراة كانوا مضطهدين ام كانوا في حالة حرية واستقرار مما جعلهم ينجزون التوراة بكل اريحية وبأشراف النبي اشعياء الذي كان متواجدا بينهم؟

   اعتبرت هذه الأسئلة الفلسفية، هي من أرفع مستويات التأمل في أخلاقيات التاريخ وواقع المرويات الدينية، وتفتح بابًا لفهم جدلي عميق بين القوة والحق، والحرية والمعاناة، والواقع والأسطورة والاجابة عليها لابد ان تكون بتفصيل علمي موضوعي، مع عرض الرأي التاريخي من خلال مقارنة ومقاربة.

 السؤال الأول:

هل كانت الحروب آنذاك تُعتبر عادلة وإنسانية؟ ولماذا كان يُبرر السبي والدمار دينيًا؟

أولًا: من وجهة نظر الملوك والدول القوية في التاريخ القديم:

  • نعم، كانت الحروب تُعتبر "عادلة" بل ومقدّسة.
  • الدولة الكبرى كانت ترى نفسها:
    • ممثلة لـ"إرادة الآلهة".
    • تنفّذ "عدالة سماوية" ضد من يتمردون أو يعبدون آلهة "فاسدة".
    • تنشر "النظام" بدلًا من "الفوضى" (وهذا واضح في نصوص آشور وبابل ومصر).

ومثال على ذلك: نقش نبوخذ نصر يصوّره كمنفذ لحكم مردوخ، ويبرر ضربه للقدس بأنه عقاب من الإله على خيانة اليهود. 

 ثانيًا: مبررات الحرب القديمة:

نوع المبرر

التوضيح

ديني

معظم الملوك كانوا يُنسبون لأنفسهم مهمة إلهية (كورش، نبوخذ نصر، الفراعنة، آشور بانيبال).

سياسي

التمرد أو تحالف العدو مع قوة خارجية (اليهود تحالفوا مع مصر ضد بابل).

اقتصادي

السيطرة على طرق التجارة والضرائب وإعادة توزيع السكان للعمل القسري.

أمني/انتقامي

عقاب المدن التي تخون الاتفاقات أو تتكرر ثوراتها.

 الجانب السلبي:

  • القسوة المفرطة: ذبح، تدمير معابد، حرق مدن.
  • سبي الشعوب ونقلهم من مواطنهم.

الجانب "الإيجابي" أو الواقعي (بنظر الدولة القوية (

  • فرض الاستقرار بالقوة.
  • ضمان عدم تكرار التمرد.
  • ترحيل خبراء المدن المهزومة لبناء الدولة المنتصرة (كما فعل الآشوريون مع اليهود، والبابليون لاحقًا).

 السؤال الثاني:

هل كان اليهود في بابل مضطهدين أم أحرارًا؟ وكيف كتبوا التوراة هناك؟

الرواية التقليدية (اليهودية):

  • تعرضوا لسبي جماعي واضطهاد قاسٍ.
  • حُرموا من عبادة الرب بسبب فقدان الهيكل.
  • كانوا يعيشون في حنين وألم كما ورد في (مزمور 137: "على أنهار بابل جلسنا فبكينا..."). لكن هذه رواية أدبية/لاهوتية، لا تاريخية دقيقة.

 اما الرؤية التاريخية الحديثة (من النقوش البابلية) فهي:

  • السبي لم يكن شاملاً: فقط الطبقة الدينية والملكية والنخبوية.
  • لم يُوضعوا في سجون، بل في مستوطنات زراعية وتجارية وأصبح منهم مزارعين وتجار.
  • مارسوا حياتهم واحتفظوا بهويتهم.
  • ازدهرت بينهم حركة تدوين، ظهرت فيها:
    • أقدم نسخة للتوراة وهو مازالت بين أيدينا.
    • إعادة كتابة التاريخ بصيغة دينية تفسيرية.
    • "تفسير الهزيمة على أنها نتيجة لخطاياهم وليس ضعف إلههم."

وبهذا نشأ ما يُعرف بـ:

اللاهوت التفسيري في المنفى
حيث أصبح السبي بداية جديدة للوعي الديني اليهودي، لا يعني نهايته.

السؤال الثالث: كيف دخل كورش بابل؟

جاء دخول كورش إلى بابل عن طريق نهر الحلة (فرع من نهر الفرات) دخلها ليلًا بعد أن حوّل مجرى النهر، مما سمح للجنود بالدخول تحت الأسوار من جهة ضعيفة التحصين. وفقًا للمؤرخ الإغريقي زينوفون وهناك إشارات إلى وجود انشقاق داخلي في بابل ضد الملك الأخير نبونئيد، الذي كان قد أثار غضب كهنة مردوخ لتفضيله إلهًا آخر (سين إله القمر). وان دخول كورش (539 ق.م) جاء بعد وفاة نبوخذ نصر الثاني بسنين طويلة (562 ق.م) وان نوبوئيد كان غائبا في شمال الجزيرة العربية(تيماء) وترك العاصمة بيد ابنه بلشاصر.. وكان دخول كورش دون مقاومة وبسلام وأهلها استقبلوه بالفرح ولم يسمح لجنوده بالنهب.. وتقول الوقائع التاريخية(كتاب تاريخ العراق اعداد نخب من المؤرخين العراقيين بأشراف وزارة الثقافة والاعلام العراقية في القرن العشرين)، لم يُقم كورش في بابل طويلًا، لكنه احترم دياناتها (مردوخ). أعاد الكهنة إلى معابدهم. وأمر بإرجاع تماثيل الآلهة المحلية إلى معابدها. وعيّن حاكمًا من قبله يُدعى "غوبارو" لإدارة شؤون بابل، وهو حاكم فارسي عُرف بالعدل.. اذن لم يكن الحاكم من البابليين، بل من رجال كورش، لكنه حافظ على النخب البابلية في مواقعها الإدارية.

الخلاصة المركّبة:

الحروب في العصور القديمة كانت تُبرر دينيًا وسياسيًا، ويُنظر إليها كأداة "إلهية" لتصحيح الأوضاع، رغم قسوتها المفرطة. أما اليهود في بابل، فرغم حزنهم الديني، عاشوا نسبيًا في استقرار، مكنهم من تدوين أقدس نصوصهم وبناء لاهوتهم الجديد، بل ومنهم من ازدهر تجاريًا وفكريًا داخل المجتمع البابلي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

الإبراهيمية: بين دعوة التعايش ومشروع التطبيع