الخبز الحافي والبؤساء: جوع واحد بلُغتين

 

الخبز الحافي والبؤساء: جوع واحد بلُغتين

حين يفضح الأدب ما تخفيه السلطة عن الجوع والفقر

حين يتحوّل الجوع إلى لغة كونية

     في تاريخ الأدب، ثمة نصوص لا تُقرأ بوصفها حكايات فحسب، بل باعتبارها صرخات في وجه الظلم الإنساني. من هذا القبيل تلتقي رواية «الخبز الحافي» لمحمد شكري مع «البؤساء» لفيكتور هوغو، رغم اختلاف الأزمنة واللغات. كلاهما كتب عن الفقر بوصفه قدراً يصنع المأساة ويشوّه الطفولة ويدفع الإنسان إلى حافة الجوع والجنون. هنا يصبح الخبز لغة كونية: عند هوغو يبدأ المصير بسرقة رغيف، وعند شكري يكون الجوع حقيقة يومية تطارد طفلاً في أزقة طنجة.

الخبز الحافي: شهادة من قاع المجتمع

   تُعدّ رواية «الخبز الحافي» (1973) واحدة من أكثر الروايات العربية إثارة للجدل، لما تنطوي عليه من جرأة غير مسبوقة في تناول الفقر والبؤس والجسد ضمن سياق اجتماعي وسياسي قاسٍ. يكتب محمد شكري (1935–2003) سيرته الذاتية بلا أقنعة: طفولة فقيرة في الريف المغربي، هروب من عنف الأب، وتجربة مريرة في طنجة خلال أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين. السرد مباشر وصادم، يخلو من التجميل الأخلاقي، ويعرض الإنسان عارياً في أقصى درجات انكساره، لكنه—رغم قسوته—مشبع ببحث عن الكرامة والرغبة في النجاة.

    لغة الرواية واقعية فجة، بسيطة ومكثفة، كسرت التورية والزخرف السائدين، وانتمت إلى تيار الواقعية الفجّة أو الأدب الاعترافي، فكسرت محرمات الأدب العربي (الجنس، الجوع، العنف الأسري). لذلك انقسم حولها القرّاء بين من رأى فيها شهادة إنسانية جريئة، ومن اتهمها بالإباحية. غير أنّها، بلا شك، رفعت صوت المقموعين وجعلت الأدب مساحة للحقيقة العارية.

مقارنات نقدية

نقدياً، تنتمي «الخبز الحافي» إلى الأدب الاعترافي والواقعية الفجّة، وتُقارن بأعمال مثل «اعترافات» جان جاك روسو و«ذكريات منزل الموتى» لدوستويفسكي، وبصورة أوضح مع «مدار السرطان» لهنري ميلر، من حيث الجرأة، والبوح العاري والمنع والرقابة. غير أن المقارنة الأعمق تبقى مع فيكتور هوغو، لا على مستوى الأسلوب، بل في الانحياز للمهمشين وفضح البنية الظالمة للمجتمع.

هوغو وشكري: التقاء في الجوهر، اختلاف في الأدوات

.1لمهمّشون أبطال التراجيديا

جعل هوغو أبطال رواياته من الطبقات المنسيّة: جان فالجان، فانتين، كوازيمودو؛ كما جعل شكري من نفسه ومن حوله أبطالاً من قاع المجتمع. كلاهما يرى أن الكرامة الإنسانية لا تُقاس بالمكانة الاجتماعية، بل بقدرة الإنسان على المقاومة والنجاة.

.2 الأدب بوصفه شهادة وإدانة

فضح هوغو ظلم النظام الملكي والقضائي والطبقي في فرنسا القرن التاسع عشر، بينما فضح شكري الفقر المدقع والعنف الأسري والاجتماعي في المغرب ما بعد الاستعمار. في الحالتين، يتحوّل الأدب إلى شهادة تاريخية وإدانة أخلاقية.

.3 الفقر يصنع البطل التراجيدي

جان فالجان سُجن بسبب رغيف خبز، وفانتين سُحقت بالفقر؛ ومحمد شكري نفسه كان ضحية الجوع والعنف حتى وجد خلاصه في القراءة والكتابة. القاسم المشترك واضح: الفقر يصنع المأساة، والبحث عن الخبز يصنع البطل التراجيدي. 

.4الأسلوب والخلاص

يكتب هوغو بلغة رومانسية شاعرية، يسكب نوراً على الخرائب، ويترك دائماً نافذة أمل عبر التوبة والحب والتضحية. أما شكري فيسرد بواقعية عارية بلا تزويق، يواجه القارئ بالحقيقة كما هي: جوع، مخدرات، جنس، وعنف. الخلاص عنده صعب ومتأخر، يأتي عبر الأدب ذاته لا عبر المعجزات العاطفية.

القارئ العربي: مرآتان لوجع واحد

قرأ القارئ العربي «البؤساء» مترجمة، فرأى فيها صورة لمدنه وأريافه: الفقر، ظلم القضاء، وقسوة الطبقات. ثم جاءت «الخبز الحافي» لتكون الصدمة الأقسى، لأنها لم تعد حكاية عن الآخر، بل عن الذات والواقع العربي المباشر. لذلك استُقبل العملان بحميمية واحدة، بوصفهما مرآتين لوجع إنساني مشترك يتجاوز الجغرافيا.

على ضفاف ألم محمد شكري: حين يدفع المبدع ثمن الكلمة مرتين

تكشف تجربة محمد شكري مفارقة موجعة في تاريخنا العربي: السلطة لا تخوض معركة حقيقية ضد الفقر أو الجهل، بل تخوض حرباً طويلة ضد الكلمة الحرّة. حوصرت «الخبز الحافي» ومُنعت في بلدان عربية عدة، بينما تُرجمت مبكراً إلى لغات عالمية ونالت احتفاءً دولياً. ومع ذلك، لم تحمِ الشهرة صاحبها من الفقر والتهميش؛ عاش شكري معدماً، محرومًا من عوائد كتبه الممنوعة، فيما استفاد آخرون من شهرته دون أن يعود ذلك عليه أو على عائلته.

هذه ليست حالة فردية، بل نموذج لواقع عاشه كثير من الأدباء العرب: يُعاقَبون مرتين—مرة في حياتهم بالمنع والمطاردة والفقر، ومرة بعد رحيلهم حين يُستغل إرثهم دون وفاء أو تكريم. هكذا امتلأت السجون والمنافي بالمفكرين، فيما انشغلت السلطات بمصادرة الكتب بدل محاربة الفقر والبطالة. 

خاتمة

ليس غريباً أن تُحاصر رواية في عالم اعتاد إقامة السجون للأقلام أكثر مما يقيم المصانع للفقراء. لكن الغريب والمؤلم أن يموت مبدع مثل محمد شكري فقيراً، بينما تُباع كتبه في أسواق العالم. هنا تتجلى المفارقة العربية كاملة: أن يدفع الأديب ثمن الكلمة مرتين. ومع ذلك، تبقى الكلمة الحرّة أقوى من المنع، ويظل الأدب—حين يلامس الجوع—لغة كونية لا تموت.

عدنان مهدي الطائي
كاتب وباحث في الفكر النقدي والأدب المقارن

 


تعليقات